فى ذكري رحيله..... د.رزكار قاسم يكتب صفحات من حياة الثائر مصطفي البارزاني

د. رزكار قاسم

أود اليوم والذي يصادف الذكرى الثانية والأربعون على مرور رحيله أن أتحدث عنه، عن رجل كرس كل حياته للنضال من أجل شعبه المظلوم، رجلٌ ثائر بكل ما في الكلمة من معنى، وقاد ثورة شعب متعطش للحرية، إنه "الملا مصطفى البارزاني" الذي ولد يتيماً حيث والده وافته المنية قبل ولادته في 14.03.1903 في منطقة بارزان بجنوبي كردستان هذا الثائر الذي مر في حياته بمراحل متعددة من المشيخة الى ثائر حاملاً للسلاح يقود ثورة شعب ثائر تواقٌ للحرية

هذا الثائر الذي عانى ظلم السجون وهو في سن الثالثة من عمره عندما أعتقلت سلطات الإحتلال العثماني والدته وأودعتهم سجن الموصل لمدة سنة كاملة، نشأ في بيئةٍ دينيةٍ ووطنية، ثم تربى على يَدَيّ أخيه الشيخ أحمد البارزاني. 

شارك أخاه الأكبر الشيخ أحمد بارزاني في قيادة الحركة الثورية الكردية للمطالبة بالحقوق القومية للكُرد، ولكن تم إخماد هذه الحركة من قبل السلطة الملكية في العراق والقوات البريطانية المحتلة، وتم قصف بارزان من قِبَل الطائرات البريطانية و قُتِلَ أكثر من (1000) كُردي بين عسكري ومدني، وبعد ذلك هاجر البارزانيون وبينهم الشيخ أحمد بارزاني و ملا مصطفى بارزاني إلى تركيا ومن ثم أعادتهم تركيا إلى العراق ليتِم نفيهم من قبل الحكومة العراقية إلى جنوب العراق وبعد إلى مدينة السليمانية سنة (1935) لمدة عشر سنوات، وبعد هذه السنوات العَشر تسلّم الملا مصطفى القيادة من أخيه الشيخ أحمد ليُكمِل ما بدأ به أجداده من ثورات في سبيل القضية الكُردية، وخلال هذه الفترة نسّق البارزاني مع حزب هيوا الكُردي ليَهرُب من منفاه إلى كُردستان إيران سنة (1942) وبعدها عاد إلى قريته بارزان ليبدأ بالنضالِ من جديد.

بدأ النضالَ من جديد وعمل على تهيئة مرحلة جديدة في العلاقة بين الكُرد والحكومة العراقية، تجمّعَ حولهُ ما يُقاربُ (5000) مقاتل والدعم الجماهيري والشعبي أيضاً كان له دورٌ بارز في هذه المرحلة، سيطر الملا مصطفى البارزاني على منطقة بارزان وأطرافها واضطرت القوات العراقية إلى الانسحاب من هذه المناطق وأرسل إليهم البارزاني شروطه، تلك الشروطُ التي كانت بدايةً جديدة بين الكُرد بقيادة الملا مصطفى بارزاني والحكومات العراقية المتعاقبة، وتحولت القضية الكُرديةُ إلى مشروع قضية فيها شروط ومطالب للشعب الكُردي. 

أرسلت الحكومة العراقية التي كان يترأسها نوري السعيد أحد وزرائها للتفاوض مع الكُرد بقيادة البارزاني وتم التوصل إلى اتفاق بين الطرفين وصادقَ نوري السعيد على الاتفاق، لكن سرعان ما استقال نوري السعيد من منصبه كرئيس للحكومة العراقية وتراجع عن الاتفاق واعتبره الجانب الكُرديُ مؤامرةً على الاتفاق المبرم بينهم وبدأت الحربُ من جديد بين الطرفين، خمسة آلاف مقاتل كان يقودهم الملا مصطفى البارزاني في وجه ثلاثين ألف جندي عراقي وعشرة آلاف من الشرطة العراقية مدعومين بسلاح الجو البريطاني بقيادة الميجور الجنرال رونتينغ،

توجه الكُردُ وبعد هذا الهجوم إلى شرقي كردستان مدينة مهاباد حيث قام رئيس الحزب الديمقراطي الكُردستاني القاضي محمد بإعلان جمهورية  مهاباد في 22 يناير 1946، أصبح الملا مصطفى البارزاني رئيساً لأركان الجيش في  تلك الجمهورية  الفتية، والتي وللأسف الشديد انهارت بسبب خيانة السوڤييت آنذاك مع الكرد هناك  وتم إعدام الرئيس القاضي محمد في 31 مارس 1947، بعدها توجه البارزاني مع (500) من جنوده إلى الاتحاد السوفيتي مشياً على الأقدام وبقوا هناك قرابة 12 سنة

دعى الزعيم العراقي عبد الكريم قاسم البارزاني للعودة إلى العراق وبدأت مناقشات حول إعطاء الكُرد بعض مطالبهم القومية، ولكن مطالب البارزاني والشعب الكُردي لم تتطابق مع ما كان في نية الرئيس عبد الكريم قاسم إعطاءه للكُرد، فأدى ذلك إلى تجدد الصراع مرة أخرى حيث قام عبد الكريم قاسم بحملة عسكرية ضد الكُرد سنة 1961، وبعد تولي الرئيس العراقي عبد السلام عارف الحكم اتفق مع عدد من القادة الكُرد (سياسيين وعسكريين) وبضمنهم البارزاني على حل شامل للقضية الكردية حيث أعلن اتفاق نيسان/أبريل عام 1964، إلا أن التيار القومي  العنصري العربي تمكن من التسلل إلى السلطة ونسف كل ما أتفق عليه فاستمرت الدولة بإجراءاتها القمعية للشعب الكردي، ما أدى إلى تجدد تجدد النزاع المسلح بين الطرفين. 

بعد 9 سنوات من الحرب بين الكُرد بقيادة البارزاني اضطرت الحكومة العراقية إلى الاتفاق مع البارزاني في اتفاقية الحكم الذاتي للكُرد سنة 1970 والتي لم تدم طويلاً بسبب انقلاب قيادة حزب البعث على اتفاقية الحكم الذاتي سنة 1974 وتوقيعهم لاتفاقية مع شاه إيران تنازل بموجبها العراق عن شط العرب وعن المطالبة بالأحواز مقابل توقف إيران عن تقديم الدعم العسكري واللوجستي للثوار الكُرد، اتفاقية الجزائر التي أبرمت بين إيران والعراق بمبادرة أمريكية جزائرية كان عرابها وزير الخارجية الجزائري   آنذاك عبد العزيز بوتفليقة، والذي أصبح رئيساً للجزائر فيما بعد،كانت اتفاقية غدر وخيانة للكُرد من قبل وزير الخارجية الأمريكي هنري كيسينجر، غادر بعدها البارزاني إلى الولايات المتحدة الأمريكية حيث توفي هناك في 1 مارس سنة 1979، في مستشفى جورج واشنطن إثر مرض عضال.

فمن خلال التطرق إلى حياة البارزاني الخالد بمناسبة ذكرى رحيله ولو تناولت الموضوع بشكلٍ مختصر وبمقارنة بسيطة للواقع الذي مر به في مواجهة الإحتلال في الجزء الجنوبي من كردستان نرى أوجه الشبه الكثيرة بين مسيرة حياته النضالية ومسيرة القادة الكرد في الأجزاء الأخرى من كردستان والمعاناة التي عاشوها من خلال نضالهم من قِبل الدول المصطنعة (محتلي كردستان) وآخرهم ما تعرض له القائد عبدالله أوجلان  من محاولات إغتيال إلى المؤامرة الكبيرة التي إستهدفته من قبل أجهزة إستخبارات عالمية في الخامس عشر من شباط 1999.

فأوجه الشبه هذه من اعدام القاضي محمد والشيخ سعيد وسيد رضا والمئات من المناضلين الى القائد أوجلان كل ذلك تستهدف القضية الكردستانية والشعب الكردستاني من خلال قادتهم، فعلى الشعب الكردستاني اليوم الإستفادة من تاريخ هؤلاء القادة ومن خلالها معرفة العدو بشكلٍ جيد ودقيق وعلى الأحزاب الكردستانية وأخص الذكر الديمقراطي الكردستاني والعمال الكردستاني الاستفادة من ذاك التاريخ والاحتفاء بذكرى هؤلاء القادة من خلال الترجمة الفعلية على أرض الواقع بالتوجه نحو وضع إستراتيجيات بعيدة الآمد برص الصفوف والعمل لترجمة من ناضلوا القادة من أجلهم بالعمل الجاد نحو تحقيق حرية الشعب الكردستاني وإستقلال كردستان إنطلاقاً من مبدأ ليس للكردي إلا الكردي ودم الكردي على الكردي حرام.

المصدر: شمس نيوز